عبد الله بن أحمد النسفي
77
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 28 إلى 29 ] كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 28 ) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 29 ) وإلزامه أنفسهم ، ويجوز أن يكون بمعنى توثقته ، كما أنّ الميعاد بمعنى الوعد ، أو للّه تعالى أي من بعد توثقته عليهم ، ومن لابتداء الغاية وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ هو قطعهم الأرحام وموالاة المؤمنين ، أو قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاجتماع على الحقّ في إيمانهم ببعض وكفرهم ببعض . والأمر طلب الفعل بقول مخصوص على سبيل الاستعلاء ، وما نكرة موصوفة أو بمعنى الذي ، وأن يوصل في موضع جر بدل من الهاء أي بوصله ، أو في موضع رفع أي هو أن يوصل وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بقطع السبيل والتعويق عن الإيمان أُولئِكَ مبتدأ هُمُ فصل ، والخبر الْخاسِرُونَ أي المغبونون حيث استبدلوا النقض بالوفاء ، والقطع بالوصل ، والفساد بالصلاح ، والعقاب بالثواب . 28 - كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ معنى الهمزة التي في كيف مثله في قولك أتكفرون باللّه ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان وهو الإنكار والتعجب ، ونظيره قولك أتطير بغير جناح وكيف تطير بغير جناح ، والواو في وَكُنْتُمْ أَمْواتاً نطفا في أصلاب آبائكم للحال ، وقد مضمرة ، والأموات جمع ميت ، كالأقوال جمع قيل ، ويقال لعادم الحياة أصلا ميت أيضا ، كقوله تعالى : بَلْدَةً مَيْتاً * « 1 » فَأَحْياكُمْ في الأرحام ثُمَّ يُمِيتُكُمْ عند انقضاء آجالكم ثُمَّ يُحْيِيكُمْ للبعث ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ تصيرون إلى الجزاء ، أو ثم يحييكم في قبوركم ، ثم إليه ترجعون للنشور ، وإنّما كان العطف الأول بالفاء والبواقي بثم لأن الإحياء الأول قد تعقّب الموت بلا تراخ ، وأما الموت فقد تراخى عن الحياة ، والحياة الثانية كذلك تتراخى عن الموت إن أريد النشور ، وإن أريد إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه ، والرجوع إلى الجزاء أيضا متراخ عن النشور ، وإنّما أنكر اجتماع الكفر مع القصة التي ذكرها لأنّها مشتملة على آيات بينات تصرفهم عن الكفر ولأنها تشتمل على نعم جسام حقّها أن تشكر ولا تكفر . 29 - هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ أي لأجلكم ولانتفاعكم به في
--> ( 1 ) الفرقان ، 25 / 49 . الزخرف ، 43 / 11 . ق ، 50 / 11 .